السيد كمال الحيدري
215
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
أمّة أو فرد إلّا على حساب مساعيها وقدر جدّها » « 1 » . لن يعود للمسلمين مجدهم « حتّى نعود إلى التمسّك بتلك الأسباب المحكمة العُرى التي حفظتنا ردحاً من الدهر وما حفظناها ، وانغمسنا في حمأة الضعة والخمول ضائعين حينما وضعناها وأضعناها » « 2 » . لم تُرِد العقيدة الإسلامية أن تتعثّر بالإنسان خطاه في تشييد العمران وبناء الحضارة بدعوى القضاء والقدر ، إنّما : « يُراد من النفوس أن لا تتّكل على القضاء والقدر وتتوانى عن العمل فيختلّ نظام العالم المبتنى على دعائم من أحكمها الحرص وحبّ الاستكثار الباعثان على الجدّ والجهد ، ويتفرّع عليهما توسعة العمران وتمهيد الحضارة » « 3 » . غاية ما في الأمر أنّ الإسلام رام تهذيب هذه الغريزة واستصلاحها لكي لا يميل الإنسان إلى الشرّ والجشع ، من خلال التوكّل على مسبِّب تلك الأسباب ، والإيمان بأنّه هو سبحانه الميسِّر والمدبِّر ، وأنّ اللجوء إلى سلسلة الأسباب والمسبّبات لا يعنى أنّها قد خرجت عن حيطة ملكوته وسلطان مشيئته . ما يبتغيه كاشف الغطاء من نصوصه المكثّفة هذه في عدم الركون إلى القضاء والقدر ، هو ليس إلغاء هذه العقيدة الربّانية القرآنية كما تفعل الاتجاهات المحدثة في الفكر الاجتماعي من خلال ما توجّهه من نقد ، وإنّما إعادة بناء هذا المعتقد في الواقع الإنسانى الفردى والاجتماعي على ما تقتضيه قواعده وتُلزم به حقيقته . وإلّا فكاشف الغطاء يؤمن هو الآخر بسريان القدر والقضاء في كلّ شئ : « كلّ ما يصدر منّا من الحركات والسكنات والسيّئات والحسنات مقدرة لنا واجبة علينا ، لكن لا كما يظنّه القاصرون ويزعمه الزاعمون من أنّه لو أراد أن
--> ( 1 ) الدين والإسلام ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 184 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 194 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 195 .